معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 668
فالمراد بزيارة المقابر موتهم، وتهيّؤ أجسادهم للدّفن في المقابر، وعبارة: زُرْتُمُ الْمَقابِرَ كناية عن الموت، وتضمّنت هذه الكناية بالإضافة إلى الدّلالة على الموت الدّلالة على البعث بعد الموت، باستعمال فعل:
"زرتم"الذي يدلّ على الحضور المؤقّت والّذي ينتهي بالبعث إلى الحياة الأخرى، والانتقال إلى الدّار الآخرة، لأنّ من يزور مكانا يحضر فيه حضورا مؤقّتا، وينصرف بعده عنه إلى مكان إقامته، وكذلك من يزور إنسانا يمرّ به، أو يحضر عنده، بصفة مؤقّتة لا بصفة دائمة، وتضمّنت التوجيه لدفن موتى الناس في القبور إذ هو من محاسن الأمور.
فجاء في هذه الكناية البديعة، إدماج الدّلالة على معنى البعث في الدّلالة على معنى الموت، وإدماج التوجيه الحميد لدفن موتى الناس في المقابر، تكريما لأجسادهم، ورعاية لصحّة الأحياء من الناس.
روى ابن أبي حاتم بسنده عن ميمون بن مهران، قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) فلبث هنيهة ثمّ قال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلّا زيارة وما للزّائر بدّ من أن يرجع إلى منزله.
وجاء عند ابن كثير في تفسيره أنّ بعض الأعراب سمع رجلا يتلو قول اللّه عزّ وجلّ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) فقال:
بعث القوم وربّ الكعبة.
وأصل معنى القبر: الدفن في الأرض، يقال لغة: قبر فلان الميّت إذا دفنه.
التكاثر الملهي من الفانيات، الصارف عن العمل للنّعيم الخالد
كلّ ما يزيد عن حاجة الإنسان، وحاجة أسرته في الحياة، بدافع الرغبة في التكاثّر من زينة الحياة الدّنيا ومتاعها وأموالها، فإنفاق الوقت فيه من التّلهّي عمّا ينبغي للإنسان أن يغتنم منه ثوابا عظيما في نعيم مقيم.