معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 689
صفاتها، يدلّ على تفضيله بميزة العلم، ويدلّ أيضا على تكليف أهل الملأ الأعلى وإبليس الجنّ أن يسجدوا له على أنّ اللّه كرّمه على الإنس والجنّ.
إلّا أنّ تكريم النّوع ذي الإرادة الحرّة لا يتحقّق لكلّ فرد من أفراده، ما لم يثبت الفرد أنّه أهل لهذا التكريم بعبوديّته الاختياريّة، للرّبّ الّذي كرّمه بأصل التكوين، فإذا لم يحقّق ذلك ردّ نفسه متسفّلا في الدّركات، وقد يصل باختياره الأحطّ فالأحطّ، حتى يكون في أسفل سافلين.
ومن حافظ على مقدار ما من تكريم البارئ له، كان له من منازل الجنّة متصاعدا على مقدار ما حافظ عليه، وقد يصل باختياره الأكمل فالأكمل حتّى يكون من أهل الفردوس الأعلى في جنّات النّعيم.
وشرح تكريم بني آدم بالتكوين الرّبّاني لهم، يتطلّب دراسة علميّة موسّعة جدّا، تحرّر في أسفار.
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: أي: وأنعمنا عليهم بأن تحملهم في البرّ المراكب الحيوانيّة، ثمّ المراكب غير الحيوانيّة ممّا هديناهم إلى اكتشافه- وبأن تحملهم في البحر المراكب غير الحيوانية الّتي هديناهم إلى صنعها مذ أمرنا نوحا بصنع الفلك الّتي أنجيناه بها من الإغراق، هو والّذين آمنوا معه واتّبعوه.
وتقاس المراكب الجويّة على المراكب البرّيّة والبحريّة غير الحيوانيّة، ولم تذكر في القرآن لأنّها لم تكن قد اكتشفت إبّان نزول القرآن، ويشملها قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8) :
ففي عبارة: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ تدخل كلّ المراكب التي سيكتشف النّاس قوانينها، وطرائق صنعها، وقوّة حركتها لتأدية الوظائف والمنافع المطلوبة منها.