معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 688
والمعنى: ثمّ بعد أن نغرقكم بالرّيح القاصف، لا تجدون من يطالب من أوليائكم بالثّأر منّا، لعجزه عجزا تامّا عن ذلك.
من هذا الّذي يستطيع مقاضاة ربّ العالمين أو مساءلته، أو الثّأر منه إذا أهلك بعض عباده، أو أهلكهم كلّهم، وهم جميعا عبيده، ونواصيهم بيده، وحياتهم وموتهم خاضعان لأمر التكوين، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن. فهو يكون فورا.
وختم اللّه هذا الدّرس بقوله عزّ وجلّ:
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (70) :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ: يؤكّد ربّنا- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أنّه كرّم بني آدم، أي: فضّلهم، ورفع شأنهم بين خلقه.
التكريم: يأتي بمعنى التفضيل، ويأتي بمعنى التعظيم، ويأتي بمعنى منحه الصّفات النّفيسة الّتي امتاز بها على غيره.
وإذا نظرنا إلى بني آدم وقارنّاهم مع المخلوقات الحيّة المشهودة لنا، وجدنا أنّ جملة صفاتهم في التكوين الرّبّاني هي أسمى وأنفس من صفات سائر الأحياء المدركة بالحواس.
إنّ صفات الإنسان النّفسيّة ولا سيما ما لديه من أجهزة العلم والتفكير والإرادة الحرّة، صفات يمتاز بها على سائر الموجودات الحيّة المدركة، وهذه ميزات ظاهرة لا تحتاج تفصيلا ولا إقامة برهان عليها.
وجسد الإنسان في تقويمه العامّ أحسن الأجساد الحيّة المشهودة تقويما.
وتفضيل اللّه آدم على الملائكة وإبليس الجنّ بالعلم، وأمر اللّه لهم بالسّجود لآدم، بعد تفوّقه في مباراة علم أسماء الأشياء الّذي يشمل