معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 687
الاحتمال الثالث: أن يعيدكم بمقاديره الخفيّة إلى البحر مرّة أخرى، ظانّين أنّ البحر هادىء، وأنّ الرّياح مواتية لرحلة بحريّة آمنة على سفينة عظيمة قويّة، فإذا توغّلتم في البحر بعيدا عن الشّواطئ، وعن كلّ منجد يمكن أن ينجدكم، أرسل عليكم ريحا شديدة قاصفة، فأغرقكم بها بسبب كفركم بنعم ربّكم عليكم.
دلّ على هذا الاحتمال قول اللّه عزّ وجلّ: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ... (69) ؟؟:
أَمْ هنا بمعنى"بل"التي تفيد الإضراب الانتقاليّ من معنى إلى معنى آخر.
تارَةً أُخْرى: أي: عودة أخرى، أو إعادة أخرى، يقال لغة:
"تاوره الأمر"أي: عاوده تارة بعد تارة، والمعنى: عاوده مدّة بعد مدّة.
التارة: المدّة- الحين.
قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ: القاصف: الرّيح الّتي تأتي شديدة على مستوى الأشجار فتقصفها وتكسّرها. وهي في البحر تكسّر السّفن وتغرقها.
يقال: ريح قاصف، وريح قاصفة.
والمعنى: بل أملكتم بقدراتكم إذا عدتم إلى ركوب السّفن في البحر بتقدير اللّه لتحقيق مطالبكم ومصالحكم، أن تحموا أنفسكم من أن يرسل ربّكم عليكم ريحا قاصفا، يكسّر مركبكم البحريّ، فيغرقكم، بسبب كفركم بنعم اللّه عليكم؟؟.
وخاطبهم اللّه عزّ وجلّ بقوله:
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (69) :
تَبِيعًا: التبيع: المطالب بالثأر، والّذي يتتبّع غيره لاقتضاء شيء منه.