معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 686
أي: أملكتم بقدراتكم جانب البرّ الخاضع لسلطان الرّبّ وتصاريفه، أو أخذتم من ربّكم عهدا بأن لا يجري فيه خسفا، فأمنتم من أن يخسف ربّكم بكم جانب البرّ فيهلككم عقوبة لكم على كفر نعمته عليكم؟؟
لقد ظهر لي أنّ الفاء في أَفَأَمِنْتُمْ فصيحة تعطف على محذوف، وتقديره ما سبق إظهاره في الشّرح التّدبّري.
الاحتمال الثاني: أن يرسل اللّه عليكم وأنتم في البرّ ريحا تحمل التّراب والحصباء من الأرض، فينزل ذلك عليكم، ويضربكم به ضرب تعذيب فإهلاك، فهل أنتم في البرّ آمنون من تعذيبكم وإهلاككم بهذا السّبب لو شاءه اللّه القدير على ما يشاء.
دلّ على هذا الاحتمال قول اللّه عزّ وجلّ: ... أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ... (68) ؟:
حاصبا: أي: ريحا تحمل الرّيح والحصباء، وتضرب بها الأشياء.
فيصيب اللّه بها من يشاء.
والمعنى: أو ملكتم بقدراتكم الرّياح وإرسالها أو كفّها، أو أخذتم من ربّكم عهدا بأن لا يهلككم بها وأنتم بجانب البرّ، فأمنتم من أن يرسل ربّكم عليكم حاصبا يكون سبب تعذيبكم وإهلاككم.
وخاطبهم اللّه عزّ وجلّ بقوله:
ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) : أي: ثم بعد أن يخسف اللّه بكم جانب البرّ، أو بعد أن يرسل عليكم حاصبا يهلككم، لا تجدوا لكم وكيلا يتوكّل أمر دفع عذاب اللّه عنكم، أو يسائل اللّه ويقاضيه عمّا أنزل بكم، إذ هو الفعّال لما يشاء، لا يسأل عمّا يفعل، لكنّ أفعاله كلّها حكيمة، وهي في عباده لا تخرج عن دائرتي الفضل والعدل عند الجزاء.