معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 711
زهق: أي: ذهب واضمحلّ. يقال لغة:"زهق، يزهق، زهقا، وزهوقا، فهو زاهق، وزهوق"أي: زائل مضمحلّ لا ثبات له، ويقال:
"زهقت نفسه"أي: ذاقت الموت مع سرعة وشدّة قبل أن تحقّق مراداتها من دنياها.
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا: أي: إنّ الباطل من شأنه بصورة دائمة أن يأتي عليه الزّهوق، ولو ظهر له زبد خادع يحسبه الجاهل المتسرّع آنيّ النظر شيئا ذا قيمة حقيقيّة، مع أنّه فارغ ليس له ظاهر متماسك، ولا وزن له في موازين الحقيقة، فلا بدّ أن يكون زهوقا عند لمسة خفيفة تضغط عليه. صيغة"زهوق"من صيغ المبالغة.
وأعتمد بالنسبة إلى هاتين الآيتين ما صحّ عن ابن عبّاس وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنهما.
روى الإمام أحمد والترمذيّ عن ابن عبّاس قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بمكّة، ثمّ أمر بالهجرة، فأنزل اللّه: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (80) .
ويفهم من هذا أنّ المراد الدّخول إلى المدينة، والخروج من مكّة، بالنظر إلى المناسبة، مع صلاحيّة اللّفظ لكلّ دخول وخروج في مرضاة اللّه لا في معصيته.
وروى البخاريّ عن عبد اللّه بن مسعود، قال: دخل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة (أي: فاتحا) وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا- جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (49) سبأ.
ونلمح في قول اللّه عزّ وجلّ: ... وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (81) إعلاما ضمنيّا بأنّه منصور، وأنّه فاتح مكّة وأنّه