معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 747
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (104) .
الّذي ظهر لي من جمع النّصوص القرآنيّة المتعلّقة ببني إسرائيل، وتدبّرها تدبّرا تكامليّا، أنّ هذه الآية تدلّ على قدر اللّه وقضائه في بني إسرائيل إبّان أواخر وجودهم الماضي في فلسطين وجودا مقترنا بإفساد وعلوّ فيها، وقبيل حكم الرّومان لها، إذ دخلت تحت سلطان الرّومانيّن سنة (40) ق. م كما سبق بيانه في الدرس الثاني من دروس السّورة.
والقول الرّبّانيّ الّذي جاء في هذه الآية أمر قدريّ قضائي بتشتيت بني إسرائيل في بلدان الأرض كلّها شرقها وغربها، وإخراجهم إلّا قليلا منهم من أرض فلسطين، كما سبق أن أوضحته لدى تدبّر الآيتين (4) و (5) من هذه السّورة.
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ:
أي: وقلنا من بعد موسى وآثار دعوته الّتي امتدت حتّى قبيل بعثة عيسى عليه السّلام، بأمر قدريّ قضائيّ مشتّت لبني إسرائيل، اسكنوا الأرض مشتّتين فيها خارج أرض فلسطين، الّتي أسكنّاكم فيها لتقيموا الدّين، فعلوتم فيها مستكبرين ومفسدين، وكنتم في الدّين مثالا سيّئا للتّحريف والفسق والفجور، والبغي والطغيان، والظّلم وابتغاء الإفساد في الأرض، وارتكاب الشّرور بغرور.
فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (104) :
أي: فإذا جاء وعد المرّة الآخرة الّتي قلنا لكم فيها: لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) جئنا بكم من أشتات الأرض إلى فلسطين لفيفا، لتنالوا عقوبة ربّكم في فلسطين، بأيدي عباد لنا مؤمنين