معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 89
أنّ كلّ حروف العطف قد تعطف في القرآن على محذوف مطويّ، وكملء فراغات القصص القرآنيّة بعضها من بعض، إذ تبدو في الظّاهر أنّها مكرّرات، وهي في الحقيقة متكاملات فيما بينها، يتداخل بعضها في بعض، فيكمّل بعضها الظّاهر هنا البعض المطويّ في مثاني النّصّ أو النّصوص الأخرى، وكالحذف من الأوائل لدلالة ما في الأواخر، والحذف من الأواخر لدلالة ما في الأوائل من النصّ. وكلّ ذلك من الإعجاز الإيجازيّ في القرآن المجيد.
وأفضل تعبير عن هذه الصّفة في القرآن المجيد أن يوصف بأنّه مثاني، فهو كتاب متشابه في الحسن والكمال، ومثاني تظهر في السّطوح المقروءة من مثانيه جمل وكلمات، وتوجد مطويات داخل المثاني تستخرج بالتّأمّل الدّقيق، وبالاستنباط العميق، ضمن ضوابط الفكر، وقواعد الاستعمال اللّغويّ وأماراته، إمّا عن طريق الحقيقة، أو عن طريق المجاز.
وأفضل ما في القرآن من مثاني ما جاء في سورة (الفاتحة) إذ هي جامعة لكلّيّات كبرى، هي بمثابة عنوانات عامّات للدّين الّذي اصطفاه اللّه عزّ وجلّ لعباده، الّذين خلقهم ليبلوهم في ظروف الحياة الدّنيا، ولتاريخهم تجاهه منذ أوّل نشأتهم إلى أن تقوم السّاعة، وقد أبنت هذا لدى تدبّر سورة (الفاتحة) في المجلّد الأول من هذا الكتاب.
وقد صحّ عن الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ"الفاتحة"هي السّبع المثاني وهي القرآن العظيم، فلا عدول عن هذا الّذي صحّ عن الرّسول.
روى البخاريّ، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، من حديث سعيد بن المعلّى، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له:
"لأعلّمنّك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد".
قال: فأخذ بيدي، فلمّا أراد أن يخرج من المسجد، قلت: يا