معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 692
وقد دلّت هاتان الآيتان على أنّ من الأمراض النفسية الخبيثة للتكذيب والكفر بقانون الجزاء الرّباني، جفاف عاطفة الرحمة في نفس المكذّب الكافر.
ومن الظواهر السلوكيّة لهذا الداء دعّ اليتيم بدفعه دفعا عنيفا بشدّة وغلظة، إذ هو من أضعف الضعفاء في المجتمع البشري، فماله من يدافع عنه ويحميه ويحفظ حقوقه.
ومن الظواهر السلوكية لهذا الداء أيضا عدم الحضّ على إطعام المسكين، ذي الحاجة التي أفضت به إلى الجوع.
وهاتان الظاهرتان في السّلوك تدلّان على أمثالهما، وتدلّان من باب أولى على ظواهر سلوكيّة قبيحة أخرى.
إنّ من يكذّب بالدّين (- قانون الجزاء الرّبّاني) وباليوم الذي أعدّه اللّه عزّ وجلّ لتحقيق الجزاء الأمثل، تموت الرحمة في قلبه، إذ هو لا يرقب حسابا ولا عذابا ولا ثوابا، فتنزع من قلبه الخشية من العقاب، وينزع من قلبه الطّمع بالثواب، فتنموا في نفسه الأنانيّة الضيّقة المسرفة المقيتة، حتّى تقطعه عن النظر إلى الآخرين، وعن الشعور بمشاعرهم.
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"لا تنزع الرّحمة إلّا من شقيّ". [حديث حسن رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وابن حبان] .
ومن أشنع مظاهر موت الرحمة وانتزاعها من قلب الإنسان، أن يكون ظلّاما للضعفاء الذين لا يجدون حيلة يدافعون بها عن أنفسهم.
وأضعف الضعفاء في أفراد المجتمع من كان صغيرا يتيما، إذ هو ضعيف لا حيلة له، وليس له نصير يدافع عنه ويحنو عليه.