معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 168
وهذا من اللّه إطماع عظيم بوعد كريم للكفرة المجرمين بأن يؤمنوا ويسلموا.
البيان الثاني: التذكير بيوم الدّين بعد البعث من الموت، للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، وأنّ ذلك حقّ لا شكّ فيه، دلّ عليه قول اللّه تعالى في التعليم: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ: أي:
أأكّد لكم بالقسم: لَيَجْمَعَنَّكُمْ فاللّام واقعة في جواب قسم منويّ، أي:
ليجمعنّكم بعد البعث وليسوقنّكم، إلى موقف الحساب وفضل القضاء.
الجمع والسّوق جاء التعبير عنهما في نصوص أخرى بالحشر، فالحشر في اللّغة هو الجمع والسّوق.
وفي العبارة هنا حذف يكشفه ما جاء في نصوص أخرى: فالمعنى مع إبراز المحاذيف: ليجمعنّكم مسوقين إلى موقف الحساب وفصل القضاء يوم القيامة، وكلّ ذلك حقّ لا شكّ فيه قد أنزل اللّه به بيانات كثيرات، وبلّغه رسل اللّه لأقوامهم.
لا رَيْبَ فِيهِ: أي: لا شكّ فيه، فالرّيب: هو الشّك، ونفي الشّكّ يفيد يقين صدق الخبر.
البيان الثالث: التحذير الشّديد من خسران الأنفس كلّها للّذين لا يؤمنون بما يجب الإيمان به في دين اللّه لعباده، دلّ عليه قول اللّه في التعليم: ... الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) : أي: الّذين خسروا كلّ أنفسهم بركوبهم مركبة أهوائهم وشهواتهم وحبّهم للعاجلة الفانية، وتركهم للآخرة، فهي تجري بهم حتما إلى عذاب خالد في نار جهنّم يوم الّدين، لا يجدون في أنفسهم ما يدفعهم إلى الاستجابة لدعوة الحقّ الرّبّانيّة، فهم لا يؤمنون مهما دفعتهم الحجج، ووجّهت لهم الموعظ والإنذارات، فعرّضوا أنفسهم لسخط اللّه وأليم عقابه.
قصد باسم الموصول الَّذِينَ رائحة معنى الشرط، فجاءت الفاء في جملة الخبر كأنها جواب الشرط.