معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 172
تمهيد:
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 11 ... 172
ات هذا الدّرس من فروع السّاق الثّاني من ساقي شجرة موضوع السّورة، وفيها فقرة تعليم جداليّ، وتعليم دعويّ من اللّه عزّ وجلّ لرسوله، كي يوجّههما لمشركي قومه، وعلى كلّ داع إلى اللّه وإلى دينه الحق أن يستفيد منها في دعوته، وفي مجادلاته.
التّدبّر التحليلي:
من حكمة المناظر الداعي إلى اللّه ودينه الحقّ، أن يقدّم برهانه الّذي اهتدى به إلى الإيمان باللّه وحده لا شريك له، ربّا لا يشاركه في ربوبيّته أحد، وإلها معبودا لا يشاركه في إلهيّته أحد.
هذه هي القاعدة الأساس في الفكر الدينيّ الحقّ كلّه، وعليها تبنى جميع أبنية الدّين، وتعليماته، وشرائعه، وأحكامه.
فجاء في التعليم، قول اللّه تبارك وتعالى:
* قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ... (14) .
عرض بأسلوب الاستفهام التّعجّبيّ الإنكاري، أي: أيصحّ ويجوز لي عقلا في محاكمات العقل السّليم، أن أتّخذ وليّا معبودا لي وهو مخلوق مثلي من مخلوقات اللّه الكثيرة، فاللّه هو فاطر السّماوات والأرض، وكلّ معبود من دون اللّه هو جزء من السّماوات والأرض الّتي فطرها اللّه؟؟.
كيف يستقيم لي أن أترك الفاطر، وأعبد المفطور، أو أن أجعل المفطور شريكا للفاطر في إلهيّته، وهو لا يملك من الرّبوبيّة شيئا؟؟.
قدّم المعمول، وسلّط عليه الاستفهام في عبارة: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فأصل ترتيب العبارة:"أأتّخذ وليّا غير اللّه"للبدء بالإشعار، بمناط الاستنكار، وهو أن يكون غير اللّه متّخذا معبودا، وليس الاستنكار موجّها لاتخاذ الوليّ المعبود.