معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 189
مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) .
ومعرفة علماء أهل الكتاب بأنّ محمّدا هو الرّسول المبشّر به في كتبهم، معرفة جليّة واضحة تشبه معرفتهم بأبنائهم، لوضوح التّطابق بين البشائر المذكورة في كتبهم وبين واقع حال صفات الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الذّاتيّة، وصفات مكان بعثته، وصفات الرّسالة الرّبّانيّة الّتي يبلّغها للنّاس، مع ما آتاه اللّه عزّ وجلّ من آيات بيّنات خوارق.
قوله تعالى:
* ... الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) : أي: الّذين خسروا كلّ أنفسهم باتّباعهم أهواءهم وشهواتهم، وحبّهم للعاجلة الفانية، وتركهم للآخرة، فعرّضوها للعذاب الخالد يوم الدّين في نار جهنّم، لا يجدون في أنفسهم ما يدفعهم للإيمان برسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وتصديقه فيما جاء به عن ربّه، فهم لا يؤمنون.
تضمّن المبتدأ وهو اسم الموصول الَّذِينَ معنى الشرط أو رائحة الشرط، فجاءت الفاء في خبره: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
* قول اللّه تعالى:
* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) ؟!:
وَمَنْ أَظْلَمُ؟: استفهام يراد به إثبات أنّه لا يوجد أشدّ ظلما من فريقين:
الفريق الأوّل:"من افترى على اللّه كذبا"أي: اختلق واصطنع الكذب على اللّه عن عمد، كأن يقول عن كلام: هذا كلام اللّه، وهو ليس بكلام اللّه.