معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 192
وجاء فيها نصب رَبِّنا على أنّه منادى بحذف حرف النّداء.
فِتْنَتُهُمْ: تطلق الفتنة ويراد بها العقاب والعذاب، وأرى أنّ هذا هو المراد هنا، واللّه أعلم.
فالمعنى: ثمّ بعد الحشر وسؤال المشركين عن شركائهم الّذين كانوا في حياة الابتلاء يزعمون أنّهم شركاء للّه، عذّبوا عذابا خاصّا قبل أخذهم وإلقائهم في جهنّم دار عذابهم الخالد، لأنّهم كذبوا على أنفسهم إذ قالوا:
"و اللّه ربّنا ما كنّا مشركين"لكنّ اللّه عزّ وجلّ يكشف أنّهم كاذبون، إذ يختم اللّه على أفواههم وينطق أيديهم وأرجلهم وجلودهم، فتشهد عليهم بأنّهم كانوا مشركين، إضافة إلى صحف أعمالهم الّتي تكشف بالصّوت والصّورة وحركات القلوب والنّفوس وما كان فيها من عقائد ونيّات وخواطر.
وبعد أن يدانوا بكذبهم في موقف سؤالهم وحسابهم يعاقبون على هذا الكذب، وبهذا تكون فتنتهم الّتي سبّبها لهم كذبهم في سؤال ربّهم لهم عن شركائهم.
* انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) :
أي: انظر أيّها المتلقّي لنبأ هؤلاء المشركين، إذ ينكرون في موقف حسابهم بين يدي ربّهم، أنّهم كانوا مشركين في الحياة الدّنيا، ويحلفون باللّه أنّهم ما كانوا في الحياة الدّنيا مشركين، متوهّمين أنّ الأيمان الكاذبة تنجيهم من جريمة الشّرك باللّه، الّتي كانت جريمتهم الكبرى في الحياة الدّنيا، ويغفلون عن أنّ اللّه عليم بما في قلوبهم، فعرّضوا أنفسهم لعذاب أليم على أيمانهم الفاجرة، قبل إلقائهم في جهنّم لينالوا العذاب الدّائم الخالد على كفرهم وشركيّاتهم، وجرائمهم الأخرى الّتي قدّموها في الحياة الدّنيا.