معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 194
على رفض ما تدعوهم إليه، وما تتلوه عليهم من آيات القرآن المجيد المنزّل عليك، فهم بمقتضى نظام خلق اللّه للنّفوس الإنسانيّة محجوبون عن إدراك معنى ما يصل إلى آذانهم من أقوالك، وإذا أدركوا معاني سطحيّة فإنّهم محجوبون عن فقه ما تقول فقها يدركون به حقائق المعاني حتّى تؤثّر فيهم.
* وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ: أي: وجعلنا بمقتضى نظام التكوين العامّ لكلّ النفوس الإنسانيّة، على قلوبهم وهي مراكز الفهم في نفوسهم، حجبا كثيفة وأغطية مانعة لهم من أن يفقهوه.
أَكِنَّةً: جمع"كنّ"وهو البيت، وكلّ ما يقي ويستر، والأكنّة:
الأغطية السّاترة الحاجبة.
أَنْ يَفْقَهُوهُ: أي: حجبا مانعة لهم من أن يفقهوه، بسبب رفضهم الإصغاء لما يسمعونه، ورفضهم الانتفاع به ابتداء.
الفقه: في اللّغة هو الفهم والفطنة، واستعمل للدلالة على العلم ببواطن الأمور وخفاياها ودقائقها، وعلى البحث عنها للتوصل إلى معرفتها، فهو بهذا أخصّ من مطلق العلم.
إنّ من سنّة اللّه ونظامه التّكوينيّ للنّفوس الإنسانيّة، أنّ من حجب نفسه بحجب من الرّفض للحقّ المخالف لأهواء النّفوس وشهواتها، لم يكن لدى قلبه استعداد لفهم الأقوال الّتي تسمعها أذناه فهما صحيحا، يدرك به دلالاتها الكاشفات لما وراء الظّواهر اللّفظيّة من معان عميقة أو دقيقة، ولو أنّه أدركها لعرف الحقّ، وميّزه عن الباطل، ولعرف أنّ من الخير العظيم له أن ينبذ الباطل الّذي يتمّسك به، وأن يستمسك بالحقّ الّذي يرفضه.
* ... وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا ...: أي: وجعلنا في آذانهم صمما،