معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 195
أو ثقلا شديدا في السّمع قريبا من الصّمم، وهذا يكون بحسب نظام اللّه التكويني، في الأحوال الّتي يكون الإنسان فيها شديد الرّفض ابتداء للدّعوة البيانيّة الّتي توجّه له، فهو إمّا أن يكون حاضرا غير سامع كالمنافقين شديدي النّفاق، وإمّا أن يكون حاضرا يسمع سمعا قليلا بعض ما يوجّه له من بيان.
والقسم الثّالث أن يسمع الأقوال ويفهم سطوح دلالاتها، لكنّه محجوب عن فقهها، وإدراك دقائق دلالاتها.
وسبب كلّ ذلك رفض دعوة الحقّ ابتداء، وتختلف أحوال الأفراد بحسب مقادير شدّة الرّفض.
* ... وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ...: أي: وإن ير هؤلاء الرّافضون لدعوة الحقّ الرّبّانيّة ابتداء، المعاندون المصرّون على الكفر والتّمسّك بشركيّاتهم وتقاليدهم الباطلة، كلّ آية خارقة يطالبون بإجرائها كي يؤمنوا، فإنّهم لا يؤمنون، لأنّ عدم إيمانهم استجابة لدعوة الحقّ، ليس لأنّهم غير مقتنعين بأنّ ما يدعوهم الرّسول إليه حقّ، بل لأنّهم رافضون قبول الحقّ ابتداء، وإجراء الآيات الخوارق لا يزيد في قناعتهم شيئا، فتلبية طلبهم لها عبث ليس من حكمة الرّبّ الحكيم أن يفعله، وهو العليم بما في قلوبهم وكلّ جوانب نفوسهم، الخبير بكلّ أحوالهم الظّاهرة والباطنة، حتّى أحاديث نفوسهم الّتي لا ينطقونها بألسنتهم.
* حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:
حَتَّى هنا ابتدائيّة داخلة على جملة إِذا جاؤُكَ وحتّى الابتدائية ليس فيها معنى الغاية، بل الجملة بعدها مستأنفة.
يُجادِلُونَكَ جملة حاليّة، أي: حتى إذا جاؤوك يا محمّد مجادلين، وكانوا قد استمعوا إليك آيات من القرآن، لكنّهم لم يفقهوا معاني ما تلوته