فهرس الكتاب

الصفحة 6780 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 202

أمورا يخفونها في مواقفهم السّابقة بعد بعثهم من أجداثهم، واستمرّوا في إخفائها فيما بينهم، أو في صدورهم، حتّى عاينوا بأبصارهم مصايرهم، وهم عند أبواب جهنّم خائفون مذعورون، لا يملكون مهربا ولا مفرا.

ولم يتنبّه المفسّرون إلى هذا المعنى، فكانت لهم آراء متكلّفة فيما أرى، ولا يحتمل النّصّ الدّلالة على شيء منها.

* ... وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28) :

أي: ولو ردّوا إلى حياة الامتحان مرّة أخرى، لعادوا لمثل الأمر الّذي كانوا عليه في الحياة الدّنيا، وهو الكفر والتّكذيب بآيات اللّه، والعصيان لربّهم بارتكاب الجرائم، وهو الأمر الّذي كانوا قد نهوا عنه.

والسّبب في هذا أنّ إعادة الامتحان تستلزم مسح كلّ مشاهد الآخرة من ذاكراتهم، فإذا أعيدوا إلى ظروف حياة أخرى مماثلة لحياة الامتحان الأولى، كانت نفوسهم على مثل الحال الّتي كانت عليها في أزمان الامتحان الأوّل لم يتغيّر فيها شيء، فخريطة نفوسهم تبقى مثل ما كانت عليه في الحياة الدّنيا، ولهذا فهم لا بدّ أن يعودوا إلى مثل سيرتهم الأولى حتما بعد أن مسحت من ذاكراتهم مشاهد يوم الدّين.

وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ: أي: لكاذبون في ادّعائهم أنّهم إذا أعيدوا إلى حياة الامتحان، فسيكونون مؤمنين يعملون الصّالحات، باعتبار أنّ واقع حالهم سيكون على نقيض هذا.

وليس المراد أنّهم كاذبون في التّعبير عن مشاعرهم الدّاخليّة، لدى تقديم وعودهم بأنّهم سيؤمنون ويعملون الصّالحات، إذ هي مشاعر قد عبّروا عنها بصدق وهم عند أبواب جهنّم، لكنّها لا تطابق واقع حالهم حينما يعادون إلى الامتحان مرّة أخرى، وتكون صفحات ذاكراتهم بيضاء ليس فيها ممّا شهدوا من أحداث ووقائع يوم الدّين شيء، ويكونون مثلما كانوا في رحلة الامتحان الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت