معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 225
الذي يربط الآية الأخيرة منه بالآية الأولى منه للملاءمة بينهما:
فالآية الأولى منه جاء فيها: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) .
والآية الأخيرة قال اللّه عزّ وجلّ فيها:
* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) :
* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا: أي: والّذين كذّبوا بما تدلّ عليه آياتنا التّكوينيّة، وبما تدلّ عليه آياتنا الإعجازيّة، وكذّبوا رسلنا بما أنزلنا عليهم من آياتنا البيانيّة كآيات القرآن المجيد.
* صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ: أي: هم كالصّمّ الّذين لا يسمعون ما يهديهم إلى الحقّ، وكالبكم الّذين لا ينطقون، لأنّهم لا يعترفون بالحقّ ولا يعلنونه، وهم مقيمون في الظّلمات كالعمي، لا يرون أنوار الحقّ الرّبّانيّ، وظلماتهم هي ظلمات أهوائهم، وشهواتهم، وتقاليدهم الباطلة، وأوهامهم الفاسدة، وستور مضلّليهم عن صراط اللّه المستقيم بزخارف الأقوال الخادعة، من شياطين الإنس والجنّ.
* مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ: أي: من يشإ اللّه الحكم عليه بالضّلال لأنّه قد ضلّ برفضه الإيمان بالحقّ، والإسلام للّه في حياته، يحكم عليه بالضّلال، ومعلوم أنّ اللّه لا يشاء الحكم بالضّلال إلّا على من كان ضالّا.
ومن يشإ اللّه تيسير سبل الضّلال له، لأنّه كفر ولم يؤمن بالحقّ، يسّر له ذلك، فلم يقم له العقبات، لأنّه في حياة الامتحان، فلا بدّ من تمكينه لتحقيق اختياراته.