معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 227
إقناعهم بتوحيد اللّه في ربوبيّته وفي إلهيّته: أخبروني بعد أن تتفكّروا تفكّرا سليما، يوصلكم إلى رؤية فكريّة وتجريبيّة صحيحة لا زيف فيها ولا باطل، إن أتاكم عذاب اللّه، كسيل عظيم قادم، أو رياح عاصفة أو قاصفة مدمّرة، أو براكين تتفجّر بقذائف من صخر أذابته النّار، فأخذ يسيل نحوكم في كلّ اتّجاه، أو برد عظيم ينزل عليكم راجما من السّماء كالحجارة، أو أتتكم مقدّمات ساعة موتكم وأيقنتم أنّكم ميّتون لا محالة، أو مقدّمات السّاعة الّتي ينتهي بها نظام الحياة الدّنيا، أغير اللّه تدعون ليكشف عنكم ما اقترب منكم أو نزل؟! أخبروني بالحقّ إن كنتم صادقين.
إنّكم حينئذ تنسون تاركين شركاءكم فلا تدعونهم، ولا يحضر في أذهانكم وقلوبكم غير اللّه عزّ وجلّ تدعونه، وتستغيثون به، لأنّه قد استقرّ في عمق قلوبكم أنّه لا يكشف عنكم ما تكرهون إلّا اللّه ربّكم، وهذا المستقرّ تجذبه إلى ساحة التّصوّر الحاضر المرعبات المخيفات خوفا شديدا، الّتي تمسح عندها تصوّرات شركائكم الّذين تعبدونهم من دون اللّه، فإذا كنتم تنسون آلهتكم عند المخاوف الشّديدة فلا تدعونها، أفليس من الواجب عليكم أن تنبذوها دواما، فلا تعبدوا إلّا اللّه ربّكم، الّذي هو واحد أحد في ربوبيّته، وواحد أحد في إلهيّته.
إنّه هو وحده الّذي يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء، وهذا من الأدلّة الّتي يقدّمها الرّبّ لعباده، على أنّه هو الواحد الأحد في ربوبيّته لكونه.
* أَرَأَيْتَكُمْ: استفهام يراد به انتزاع اعترافهم بأنّ الرّبّ القادر على كشف السّوء هو اللّه وحده لا شريك له، إذن فهو الإله الواحد الأحد لا شريك له.
في هذه الصّيغة نجد تاء خطاب المفرد المذكّر، وكاف الخطاب، وهما ضميران، والميم الّتي هي علامة الجمع.