معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 707
وعبادة غير اللّه إمّا أن تكون على معنى أنّ غير اللّه له مشاركة للّه في ربوبيّته، وهذا كفر باللّه وباطل، لأنّ اللّه عزّ وجلّ هو الرّبّ وحده في الوجود، وليس له شريك في ربوبيّته، وإمّا أن تكون على معنى التّقرّب إلى اللّه عزّ وجلّ بعبادة الشركاء، وهذا لا يكون إلّا بأمر أو بإذن من اللّه الرّبّ الخالق الرازق المحيي المميت المحاسب والمجازي على الأعمال الاختياريّة، صاحب الحقّ وحده بالعبادة.
لكنّ اللّه لم يأمر ولم يأذن لأحد بعبادة غيره، فقد أوحى لكلّ رسول ونبيّ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ كما جاء في سورة (الزّمر/ 39 مصحف/ 59 نزول) :
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) .
أي: بل اللّه وحده فاعبد وكن من الشّاكرين بعبادتك له، على ما أنعم به عليك من نعم جليلة.
فالمساومة على الدّين، والمصالحة فيه مرفوضة رفضا كلّيّا، إذ ليس من حقّ أحد من المخلوقين أن يساوم أو يصالح على دين اللّه الحقّ.
إنّ الدّين دين اللّه، والدّين عند اللّه هو الإسلام للّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.
ويتضمّن هذا التعليم أن يعلن الرّسول وكلّ مؤمن مسلم من أمّته للكافرين الانفصال التامّ بينه وبينهم، وأنّه لا تلاقي بين الحقّ والباطل، ولا خلط ولا مزج ولا مهايأة ولا مصالحة مطلقا، فلهم دينهم الباطل، ليس للمؤمن المسلم منه شيء، وله دينه الحقّ ليس لهم منه شيء، إلّا أن يتركوا باطلهم ويتّبعوا ما أنزل اللّه على رسوله.