فهرس الكتاب

الصفحة 6875 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 297

السّماوات وفي الأرض هو حقّ ثابت، ولا شيء ممّا خلق اللّه في كونه لا حقيقة له. وكلّ ما خلق اللّه في كونه آيات دالّات على ذاته وصفاته، وهذا حقّ. وما خلق الإنس والجنّ بصفاتهم الّتي هم عليها، إلّا ليضعهم موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا، ثمّ ليجزيهم على وفق أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره، وهذا الجزاء يكون يوم القيامة بعد الحساب وفصل القضاء، والخلق لتحقيق هذه الغاية العظيمة خلق متّصف بالحقّ، ولو لا تحقيق هذه الغاية السّامية لكان خلق الإنس والجنّ عملا باطلا.

هل تقبل العقول السّليمة أن يخلق اللّه الإنسان في أحسن تقويم، ويسخّر له ما في الأرض والسّماء، فهو يتصرّف بالأشياء ضمن قوانينها وأنظمتها باختياره الحرّ، وهذا التّصرّف ينجم عنه ظالم ومظلوم، وذو غنى ومحروم، ومسيء ومحسن، وكافر ومؤمن، وتقيّ ومجرم، ثمّ لا يكون بعد ذلك حساب، ولا فصل قضاء، ولا جزاء؟؟!

إنّه تمكين لذوي القوّة من أن يكون الباطل هو العزيز الفائق، وأن يكون الحقّ هو الذّليل الزّاهق، وهذا عند ذوي العقول السّليمة عمل باطل، وكلّ ما يؤدّي إلى باطل فهو باطل.

إذا كانت الغاية من الخلق هذا الأمر الباطل، فإنّ الخلق نفسه عمل باطل، يفضي إلى تمكين الباطل من إزهاق الحق.

فمن زعم أنّه ليس بعد هذه الحياة الدّنيا حساب، ولا فصل قضاء، ولا تنفيذ جزاء، لزمه أن يدّعي أنّ اللّه جلّت قدرته وعظمت حكمته، قد خلق هذا الخلق باطلا وعبثا، وهذا جحود لكمال صفات اللّه عزّ وجلّ، وهو من الكفر باللّه. وإنّ الّذين يقولون هذا ما قدروا اللّه حقّ قدره، إنّهم بهذا الزّعم ليس لهم إلّا الأوهام الّتي هي أضعف الظّنون السّاقطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت