معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 303
تمهيد:
آيات هذا الدّرس من فروع السّاق الأوّل من ساقي شجرة موضوع السّورة، وفيها عرض لقطات من دعوة إبراهيم عليه السّلام الجدليّة لقومه، وهي في الحقيقة تتضمّن جدالا لكلّ المشركين بأسلوب التّعريض، لا بأسلوب المواجهة المباشرة.
وتتضمّن أيضا تعليما جداليّا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وللدّعاة إلى اللّه من أمّته.
والمتأمّل في جدليّات إبراهيم عليه السّلام لقومه يدرك ما فيها من براعة أسلوب، وقوّة حجّة، وإعلان صريح عمّا يؤمن به، وإلزام لهم بالحقّ.
قوم إبراهيم عليه السّلام من الصّابئين:
جاء عند مؤرّخي أديان الأمم، أنّ قوم إبراهيم عليه السّلام كانوا من الصّابئين الّذين كانوا يتوهّمون أنّ بعض الكواكب والنجوم لها تأثير ربوبيّة في أحداث الأرض، فيتّخذون أصناما على هيئات يتخيّلونها لها، ويعبدونها من دون اللّه، ولهذا كانت دعوة إبراهيم الجدليّة ترتكز على إبطال ربوبيّة وإلهيّة النّجوم والكواكب، وبيان سقوط عبادة الأصنام سقوطا فكريّا فاحشا مرفوضا لدى كلّ أهل العقل والرّشد، وسار في محاجّته لهم على مقادير ما يفهمون، وعلى مقادير ما لديهم من موازين عقليّة مقبولة لديهم.
فدعا أباه إلى نبذ شركه القائم على عباده الأصنام، ووجّه له استنكاره الشّديد في هذه الدّعوة، بعد أن كان قد تلطّف به في دعوة سابقة جاء بيانها في الآيات من (41 - 48) من سورة (مريم/ 19 مصحف/ 44 نزول) وقد سبق تدبّرها.