معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 304
وتدرّج مع قومه في إسقاط ربوبيّة أيّ كوكب أو نجم في السّماء، وإسقاط إلهيّته، وهو يتحدّث معهم باحثا عن الرّبّ الّذي يجب أن يعبده في كواكب السّماء ونجومها، وبعد أن أدرك عدم صلاحيّة أيّ كوكب أو نجم لأن يكون هو الرّبّ الّذي يستحقّ أن يعبد، أعلن إيمانه بالفاطر الغيبيّ الّذي لا تدركه الأبصار ولا تحسّ بذاته الحواسّ، الّذي فطر السّموات والأرض، والّذي لا يشاركه في ربوبيّته شيء، فلا يشاركه في إلهيّته شيء، وأعلن انعطافه عن اعوجاج قومه عن الحقّ، وبذلك يستقيم على صراط اللّه، وأعلن أنّه ليس من المشركين.
وحاجّه قومه فيما توصّل إليه من إيمان بالحقّ الذي أعلنه لهم، وخوّفوه من الضّرر الّذي ستنزله به آلهتهم الّتي أعلن كفره بها، فقال لهم:
أتحاجّونني بباطلكم في اللّه الحقّ الّذي هداني بالدّليل البرهانيّ الّذي لا ربّ في الوجود غيره، فلا إله في الوجود سواه، فأنا مستمسك بما هداني إليه اللّه.
ولا أعبأ لما تخوّفونني منه، إذ ترون أنّ آلهتكم ستنزل بي ضرّا، لأنّني كفرت بأنّ لها مشاركة للّه في ربوبيّته أو في إلهيّته، وإنّني على يقين بأنّها لا تستطيع أن تفعل شيئا لم يشأه اللّه، فالأمر في كلّ الكون أمره، والسّلطان سلطانه.
وتعجّب عليه السّلام من تخويفهم له ممّا لا يخاف منه، ومن عدم خوفهم هم من عذاب اللّه، وقد أشركوا به ما لم ينزّل به عليهم سلطانا، وقال لهم: فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن؟ وشرح لهم بأنّ الأمن إنّما يستحقّه الّذين آمنوا باللّه ربّهم، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك به، وأبان لهم أنّ هؤلاء هم المهتدون.