معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 350
وقد تكرّر في القرآن المجيد بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ قد فصّل الآيات بمناسبات مختلفات، نظرا إلى قيمة التفصيل في إيضاح المعارف وترسيخها في النّفوس الإنسانيّة.
الآية الكونيّة السّابعة: آية إنشاء اللّه النّاس من نفس واحدة، وتسلسل الذّراري تناسلا من ظهور الآباء إلى أرحام الأمّهات، فخروجا إلى حياة الابتلاء، وهي آية عجيبة ذات عناصر مدهشة تذهل عقول من يدركون أجزاءها بتفصيل، ويفقهون بفهم عميق عظمة صفات الرّبّ الخالق المتقن لها، والمتابع خلقها مع كلّ طور صغير من أطوارها، في توالي أصغر الوحدات الزّمنيّة.
دلّ على هذه الآية قول اللّه عزّ وجلّ: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ... (98) :
الإنشاء: الإحداث المصحوب بالتكامل المتدرّج غالبا.
* مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: هي نفس آدم أبي البشر عليه السّلام.
فَمُسْتَقَرٌّ وفي القراءة الأخرى: [فمستقر] : المستقرّ بفتح القاف، هو المكان الّذي يكون فيه الاستقرار، أي: القرار والثبوت. والمستقرّ بكسر القاف هو اسم فاعل من فعل"استقرّ"بمعنى تمكّن في مكانه وسكن.
إنّ الفعل في أَنْشَأَكُمْ يدلّ على أطوار في الخلق الإنشائيّ، ولمّا كان إنشاء كلّ إنسان يمرّ في أطوار، وهذه الأطوار قد يكون فيها متنقّلا في أمكنة مختلفة متعدّدة، كان لا بدّ من أن تصاحبه عناية من اللّه، تجعله مستقرّا غير مضطّرب ولا قلق في المستقرّ الّذي نقله اللّه إليه، وهذا المستقرّ هو مستودع فيه حتّى يحين وقت نقله منه إلى مستقرّ آخر، ضمن الأطوار الّتي يمرّ بها، وهكذا يتنقّل إنشاء الإنسان في ظهور الآباء وبطون