معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 349
أي: واللّه هو وحده الّذي جعل لكم أيّها النّاس بتقديره الحكيم، وقدرته على ما يشاء، النّجوم الهادية لكم في ظلمات البرّ والبحر، بمواضعها وحركاتها، عناية بكم لتهتدوا مستخدمين ما وهبكم من قدرات فكريّة وحسّيّة. وجاء التعبير: فِي ظُلُماتِ للدّلالة على أنّ الظّلمات ذوات نسب، ما بين أشدّها وأضعفها، وإضافة الظلمات إلى البر والبحر لأدنى ملابسة، أو على تقدير"في".
وأتبع اللّه عزّ وجلّ التّنبيه على هذه الآية من آياته الكونيّة في هذا الدّرس بقوله: ... قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) :
التّفصيل: التّبيين وكشف حدود الأجزاء المتلاصقة في الظّاهر، بإظهار ما بينها من انفصال، ولو لم يكن مرئيّا، لتمييز بعضها عن بعض في الإدراك الفكريّ.
وقد فصّل اللّه عزّ وجلّ آياته الكونيّة في الخلق، وذكرها مفصّلة في البيان القرآنيّ، للتّنبيه عليها واحدة فواحدة، وفي هذا حصار فكريّ بذكر الآيات لقوم لديهم الاستعداد لأن يعلموا الحقائق المتعلّقة بصفات الرّبّ ذات الآثار في كونه تباعا، فكلّما نبّهوا على آية من آيات اللّه الكونيّة تفكّروا فيها، وأدركوا أنّها دالّة على طائفة جليلة من صفات الرّبّ- جلّ جلاله وعظم سلطانه- ومع تتابع هذه الإدراكات تنجلي المعرفة، وترسخ، وتكون لها جذور في أعماق القلب، فمن استطاع بعد ذلك أن يضبط بإرادته القويّة أهواءه وشهواته، وينبذ تقاليده الباطلة، واتّباعه الأعمى، كان من أهل الإيمان والإسلام لا محالة.
استعمل الفعل المضارع بعبارة يَعْلَمُونَ للدّلالة على أنّهم يتابعون تعلّم ما ينبّهون عليه آنا فآنا، عن طريق إدراك ما يوجّهون له، والتّفكّر فيه بأناة وتحليل ونظر في الظّواهر وأسبابها.