معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 352
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (21) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (23) :
فدلّ هذا النّصّ على أنّ رحم الأمّ قرار مكين، أي: مكان استقرار وثبوت ملائم لنموّ الجنين وثباته حتّى ولادته.
وأتبع اللّه عزّ وجلّ التّنبيه على هذه الآية السّابعة من آيات اللّه الكونيّة بقوله تعالى: ... قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) :
سبق تدبّر شبيه هذه العبارة في الآية السّابقة، لكن جاء في هذه الآية عبارة لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وفي الآية السّابقة. لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
والسّبب في هذا التنويع في التعبير أنّ إدراك ما جاء في الآية السّابعة يتطلّب فقها، وهو أخصّ من مطلق العلم.
الفقه: يستعمل للدّلالة على العلم ببواطن الأمور وخفاياها ودقائقها.
* يَفْقَهُونَ: أي: يتابعون البحث في بواطن الأمور وخفاياها ودقائقها، بغية الوصول إلى كمال الحقيقة أو أكثر مقدار مستطاع منها.
فالمعنى: واللّه هو وحده الّذي خلقكم أيّها النّاس وفق خطّة الإنشاء المتدرّج، إشتقاقا من نفس واحدة هي نفس آدم، فتنقّلتم في أطوار كلّ طور لكم فيه مستقرّ ومستودع حتّى خرجتم من بطون أمّهاتكم، لتعيشوا في حياة الابتلاء، فكانت الأرض لكم مستقرّا ومستودعا حتّى انتهاء آجالكم فيها، فكان لأجسادكم في باطن الأرض مستقرّ ومستودع حتّى ساعة القيامة، فكان لكم في أرض المحشر مستقرّ ومستودع، فمن قضى اللّه له بالخلود في الجنّة، فالجنّة له هي دار القرار، ومن قضى اللّه عليه بالخلود في دار العذاب فهي مستقرّه الأبديّ، ومن قضى اللّه بأن يدخلها مؤقّتا لينال نصيبه من العذاب، فهي له مستقرّ ومستودع ثمّ يخرجه اللّه منها لتكون له الجنّة دار القرار الأبدي.