معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 353
ويفقه هذه الحقيقة الّذين لديهم الاستعداد لمتابعة البحث في بواطن الأمور وخفاياها ودقائقها.
الآية الكونيّة الثامنة: آية إنبات أنواع النّباتات، دلّ على هذه الآية الكونيّة العجيبة، قول اللّه عزّ وجلّ في الآية الأخيرة من هذا الدّرس:
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) :
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ...: أي: واللّه هو وحده الّذي أنزل من السّماء (أي: من السّحاب) ماء، فلفظ السّماء يطلق لغة على كلّ ما علا فأظلّ، والسّحاب قد علا وأظلّ.
وقد دلّت هذه العبارة على أنّ الماء الصّالح لإنبات النّباتات هو ما نزل من السّحب مطرا، أو بردا، أو ثلجا، فسقى الأرض مباشرة، أو جرى أنهرا، أو دخل في مداخل من الأرض، وتجمّع في جوفها، وتفجّر أو نبع عيونا، أو حفرت إليه آبار لاستخراجه منها.
وتعلّم النّاس من تبخّر مياه البحار وتجمّعها سحبا، ونزولها بعد ذلك مياه حلوة صالحة لشرب الناس والدّوابّ وصالحة للإنبات، طريقة تحلية المياه المالحة، للانتفاع بها في هذه الأغراض.
* ... فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ...: التفت البيان من الحديث بضمير الغائب، إلى الحديث بضمير المتكلّم العظيم، وهو الّذي أنزل من السّماء ماء، لأنّ إخراج النّبات من آيات اللّه العظمى في كونه، فيلائمه أن يقول اللّه بشأنه: فَأَخْرَجْنا بِهِ.
أي: فأخرجنا بصفات ربوبيّتنا العظمى بالماء الّذي أنزلناه من السّماء