معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 375
وما جاء في الآية (91) : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ (91) .
أي: فلا تضعف عزيمتك هذه المقالات عن متابعة تأدية رسالات ربّك، بل: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ولا تتأثّر بمزالق أئمّة الكفر.
القضيّة الثّانية: ما دلّ عليه قول اللّه تعالى: ... لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...: أي: لا معبود في الوجود بحقّ إلّا اللّه تبارك وتعالى.
والدّاعي لإيراد هذا التوجيه للرّسول هنا الرّغبة في ترقية الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى كمال العبوديّة للّه، الّتي لا تشوبها شائبة التّأثّر بأقوال أهل الكفر، ولو من جهة خفيّة يقترن بها تحسين اجتهاديّ طمعا في إيمانهم وإسلامهم.
إنّ كمال توحيد اللّه عزّ وجلّ في إلهيّته يقتضي من الرّسول أن يتّبع ما أوحى اللّه إليه، ولا يفكّر باجتهادات خاصّة ولو كانت لمصلحة نشر دين اللّه بحسب تصوّره، فاللّه محيط بكلّ شيء علما، ولا تخفى عليه خافية من الوسائل والأساليب النّافعة ذات التّأثير في نشر دينه، واستجابة المخالفين لدعوته.
القضيّة الثالثة: ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله: ... وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) :
المراد بالمشركين هنا المشركون المعاندون المكابرون المصرّون على باطلهم، الّذين لم يتأثّروا بسوابق هذا النّصّ نزولا، المشتملة على إقناع بالحقّ، وترغيب وترهيب، ومجادلة بالّتي هي أحسن.
الإعراض: إعطاء العارض، وهو الجانب، وإعطاء العارض وسط بين الإقبال والمواجهة، وبين الإدبار والتّولّي.