معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 397
فالنّسبة العظمى من النّاس في كلّ القرون الإنسانيّة، هم ضالّون بعيدون عن صراط اللّه المستقيم، وكثير منهم مضلّون، مغوون، ملحقون بقسم الشّياطين من الإنس والجنّ.
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ تكرّر هذه الظّاهرة من ظواهر الاجتماع البشريّ، له سببان رئيسان:
السّبب الأوّل: أنّ أكثر النّاس لا يتّبعون إلّا الظّن، فهم لا يصبرون حتّى يعرفوا الحقّ، أو الصّواب، أو الأفضل، بيقين، بل يتسرّعون بدوافع شهويّة أو غضبيّة من نفوسهم، فيجزمون بالبوادر الّتي تخطر لهم، ويجعلونها حقائق، وهي ظنون، وأكثرها ظنون كواذب لا تصلح للاعتماد عليها، وهي كواذب قطعا إذا تعارضت مع ما جاء في دين اللّه الحق لعباده.
وفي بيان هذا السّبب قال اللّه تعالى: ... إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ...: أي: ما يتبعون في آرائهم الّتي يجزمون بها إلّا الظّنّ.
الظّنّ: هو ما دون اليقين العلميّ، حتّى أضعف درجات الظّنون التّوهّميّة، فما تجاوز من الظّنون الدّرجة الوسطى الّتي تكون فيها كفّتا ميزان الاحتمالات المتضادة متساويتين، فيرجح أحد الاحتمالين على ضدّه يكون ظنّا راجحا، ويكون مقابله ظنّا مرجوحا، وقد يصل الظّنّ المرجوح إلى درجة التّوهّم. وأكثر النّاس يكتفون في أحكامهم بالظّنون المرجوحة، لتبادرها إلى أذهانهم، فلا يكلّفون أنفسهم البحث والتفكير والتّأمّل، فيسقطون في أوحال أخطاء شنيعة جدّا، ذات مصير وخيم لمن اعتمد عليها وعمل بها، ويغترّ من يستمسك بها بكثرة النّاس الّذين يعتبرونها من الحقائق الّتي يجب الاستمساك بها، والعمل بما تدعو إلى العمل به.
وأكثر من في الأرض الموضوعين فيها موضع الامتحان ضالّون عن