فهرس الكتاب

الصفحة 6996 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 418

هذا ما دلّت عليه هذه الآية بإيجازها، وطريق تعبيرها الرّائع، الّذي فيه الدّلالة على حرّيّة إرادات العباد الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، وفيه الدّلالة على أنّه لا يوجد شيء في كون اللّه إلّا بخلق اللّه، فمن شاء من العباد طريق الهدى باختياره الحرّ، سهّل اللّه له طريق الهدى، وأعانه عليه، ويسّره له، وخلق له ما أراد، ومن شاء من العباد طريق الضّلالة باختياره الحرّ، سهّل اللّه له طريق الضّلالة، ويسّره له، وخلق له ما أراد.

ويتمّ بذلك امتحان إرادات العباد على أحسن وجه وأتمّه، وهي إرادات ذوات حرّيّة تامّة في اختياراتها، ولا يتحقّق في كون اللّه إلّا ما يخلق اللّه بمشيئته، لأنّ له الرّبوبيّة الكاملة التّامّة في كونه الّتي لا يشاركه فيها أحد، فكلّ ما فيه خلقه.

* فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ: أي: فمن يرد اللّه أن يهديه هداية معونة وتوفيق، في مسيرته العمليّة الظّاهرة والباطنة، على صراط اللّه العمليّ الّذي اصطفاه لعباده، لأنّه آمن إيمانا صحيحا صادقا، يشرح صدره لتطبيقات الإسلام في سلوكه، على مقدار قوّة إيمانه.

شرح الصّدر: هو بسطه وتوسعته. وشرح الصّدر للإسلام يكون بانفراجه وسروره، وذهاب ضيق الغمّ والهمّ والحزن عنه، ويكون بجعله قادرا على تحمّل المزعجات والمكاره بصبر وحلم، والقيام بالأعمال الإسلاميّة برغبة وهمّة وفرح ومسرّة، طمعا بمرضاة اللّه واغتنام ثوابه العظيم في جنّات النعيم، وكلّ هذا من ثمرات صحّة الإيمان في السّلوك.

* ... وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) :

أي: ومن يرد اللّه أن ييسّر له سبل الضّلال، لأنّه لم يؤمن بما أمر اللّه الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان أن يؤمنوا به، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت