فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 426
سورة (هود/ 52 نزول) وسبق هناك تحليل هذا الاستثناء لدى تدبّر الآية.
والمعنى الذي ظهر لي هو ما يلي: إلّا ما شاء اللّه أن يستثنيه بحكمته من عموم القضاء المبرم بالخلود، فيما لو يشاء أن يقدّره ويقضيه مستقبلا، إذ من صفاته جلّ جلاله أنّه يمحو ما يشاء محوه، ويثبت ما يشاء إثباته، وعنده أمّ الكتاب وهو علمه الثّابت الّذي لا يتعرّض لمحو ولا تغيير، إذ لا مبدّل لكلماته، على أنّه أخبر جلّ جلاله أنّه لا يخرج الكافرون من النار.
وليس من التّدبّر السّليم أن نفكّر في تعيين ما يمكن أن يستثنيه مستقبلا، لأنّ الاستثناء لم يتناوله بعد. وقد احتفظ اللّه عزّ وجلّ لنفسه ضمن قضاء الخلود بأن يفعل ما يريد في مدى الآباد، فيما لو يشاء أن يفعل شيئا يخالف في ظاهره دلالة عموم الخلود، في كلّ الأجزاء الزّمنيّة المتوالية بغير نهاية، ولكلّ الخالدين، فهذا الاستثناء هو من كلماته التي لا مبدّل لها.
وبهذا الفهم أستبعد كلّ الآراء الّتي طرحها المفسّرون بشأن تعيين المستثنى، إذ المعنى: خالدين فيها خلودا بقضاء من اللّه مبرم، لا تعروه مشيئة معدّلة من أحد، إلّا مشيئة اللّه، لأنّ ربّك فعّال لما يريد، وهو حكيم فيما يريد ويختار، وعليم محيط بكلّ شيء علما، فلا يخفى عليه شيء، ولا يظهر له شيء لم يكن معلوما له. جلّ جلاله وعظم سلطانه وسمت حكمته.
* قول اللّه عزّ وجلّ في بيان اعتراضي، أثناء عرض مشهد من مشاهد حساب شياطين الجنّ وأوليائهم من الإنس يوم الدّين:
* وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129) :
في هذه الآية بيان سنّة عامّة من سنن اللّه في المجتمع البشري، يقتضيها النّظام العامّ الّذي توجد أحداثه ومفرادته بخلق اللّه عزّ وجلّ،