معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 467
أي: وقل لهم بعد أن تقيم عليهم الحجّة القاطعة لجدلهم القائم على المغالطة، أنتم بين حالتين:
الأولى: اتّباع الظّنّ الضّعيف الّذي لا يرجّح قضيّة فكريّة، فهو ساقط لا يصحّ عقلا الاعتماد عليه، دلّ عليها: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ أي: ما تتّبعون إلّا الظّنّ التّوهّميّ الضّعيف السّاقط.
الثانية: اختلاق الكذب، دلّ عليها: وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ أي:
وما أنتم إلّا تكذبون. الخرص: الكذب، في كلّ ما جاء في القرآن منه.
* قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) :
أي: فإذا كشفت مغالطتهم، وأبنت سقوط حجّتهم، ودمغتهم بالبرهان السّاطع، فقل لهم: فللّه الحجّة البالغة، أي: البالغة غاية إحقاق الحقّ وإبطال الباطل.
أمّا قولكم: لو شاء اللّه ما أشركنا ولا أشرك من قبلنا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء من الأنعام والحرث. تعنون أنّ اللّه هو الّذي جعلكم مجبورين على هذا، وقد أبنّا لكم أنّكم كاذبون في هذا الادّعاء، فإنّنا نقول لكم ببيان من ربّكم:
لو شاء ربّكم أن يجعلكم مجبورين، لسلبكم إراداتكم الحرّة، ولما وضعكم موضع الامتحان، وعندئذ لجعلكم بالفطرة مؤمنين، مسلمين مهديّين بالجبر أجمعين، ولرفع عنكم المسؤوليّة والجزاء، ولجعلكم كالملائكة، لا تعصون اللّه ما أمركم، بل تفعلون ما تؤمرون به.
فاللّه ربّكم لا يرضى لعباده الكفر والضّلال، فهو جلّ جلاله وعظم سلطانه لا يخلق مخلوقات مفطورة مجبورة على الكفر به، والضّلال عن صراطه المستقيم.