معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 470
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) :
* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ: أي: قل يا محمّد للنّاس ببلاغ عامّ: تعالوا أتل عليكم بيان ربّكم المشتمل على طائفة ممّا حرّم عليكم فعله أو تركه، وهذا يعمّ ما نهى عن فعله أو أمر بفعله.
التّلاوة: تتبّع النّطق بالبيان القوليّ المأمور بتلاوته على وفق حروفه وكلماته دون زيادة ولا نقصان.
فإذا كان المنطوق تتبّعا لكلام مكتوب فهو قراءة.
ولمّا كان هذا النّصّ مشتملا على قضايا نهى اللّه عنها نهي تحريم، وقضايا أمر بها أمر إيجاب، كان من حسن التّدبّر أن نفهم أنّ عبارة: ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ يراد بها ما حرّم فعله، وما حرّم تركه. ومن المعلوم في الأصول العقليّة، أنّ النّهي عن شيء ما هو أمر بتركه، وأنّ الأمر بشيء ما هو نهي عن تركه، هذا التّلازم من القضايا العقليّة الّتي تكاد تكون بدهيّة، فلا حاجة لأن يقال: ما حرّم وأوجب عليكم ربّكم.
وقد اشتمل هذا النّصّ على عشرة أنواع من السّلوك الإنساني، حرّم اللّه فعلها، أو حرّم تركها، مع تعقيبات مناسبات ملائمات للأوامر والنّواهي والوصايا الرّبّانيّة.
وفيما يلي بيانها مع التّدبّر:
المحرّم الأول: الشّرك باللّه، وهو محرّم مكفّر يخرج من الملّة، وهو أوّل دركات الكفر، دلّ عليه من النّصّ قول اللّه تبارك وتعالى في أولى وصاياه: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا لا في ربوبيّته ولا في إلهيّته، إذ لا ربّ في الوجود غيره، فلا يستحقّ أن يكون إلها معبودا سواه، جلّ جلاله وعظم سلطانه.