معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 479
الأمر وجوب الوفاء بالعهد، فإنّ عدم الوفاء به من المحرّمات الّتي حرّمها اللّه جلّ جلاله.
وعقّب اللّه عزّ وجلّ على بيان المحرّمات الأربعة، من (6 - 9) بقوله تعالى: .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وهذا نظير التّعقيب السّابق، مع تبديل عبارة تَعْقِلُونَ بعبارة: تَذَكَّرُونَ أي: رغبة في أن تضعوا ذلك الّذي وصّاكم به من المحرّمات في ذاكراتكم ورغبة في أن تستدعوا منها في كلّ مناسبة ما يتعلّق بها.
والمراد بالتّذكّر الأثر النّفسيّ والقلبيّ لحضور المعلومة في الذاكرة، استدعاء لها من خزائن المعرفة في النفس، أو ورودا حديثا لها من الخارج، عن طريق بيان وارد، أو تأمّل فكريّ ذاتيّ، أو بتأثير حدث أو ظاهرة كونيّة، أو غير ذلك، للعمل بالمطلوب الدّينيّ فيما جاء به التّذكّر.
فالأثر النّفسيّ والقلبيّ والسّلوكيّ، هو المطلوب الديني من التّذكّر.
وهذا التّعقيب للمحرّمات الأربعة يصلح تعقيبا للمحرّمات الخمسة الأولى وللأخير منها، والتّعقيب للمحرّمات الخمسة يصلح تعقيبا لسائر المحرّمات بعدها. والتّعقيب الأخير الآتي في الدّرس يصلح لكلّ المحرّمات. فالتّعقيبات الثّلاثة هي بمثابة تعقيب لها جميعا، وهذا من بدائع الفنون القرآنيّة، القائمة على التّوزيع في النّصّ والتعميم في المراد، لأنّ المحرّمات تصلح لها جميعا كلّ هذه التّعقيبات.
المحرّم العاشر: عدم مجانبة صراط اللّه المستقيم، وعدم اتّباع السّبل الآخذة بعيدا عنه، إلى المهاوي والمهالك والضّلالات من ذات اليمين ومن ذات الشّمال. دلّ على هذا المحرّم قول اللّه تعالى في النصّ: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ .. (153) :
إنّ صراط اللّه يشمل مطالب الدّين كلّها، عقيدة، وعملا إراديّا، نفسيّا أو جسديّا، فرديّا أو اجتماعيّا.