معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 10
وسمّى العرب هذه الكنيسة"القلّيس"لأنّ الناظرين إلى أعلاها تتساقط قلانسهم عن رؤوسهم، بسبب ارتفاعها وعلوّ بنائها.
وبلغ العرب عزم أبرهة على تحويل حجّهم إلى كنيسته فكرهوا ذلك، وغضبت قريش من هذا الأمر غضبا شديدا.
قالوا: فجاء رجل من العرب، هو أحد بني فقم، ثمّ أحد بني مالك، ودخل"القلّيس"وتبرّز بها، إعلانا عن تسخّط العرب، وإشعارا بأن هذه الكنيسة لا تستحقّ في نفوس العرب أن يحجّوا إليها، وخرج الرّجل وفرّ إلى أرضه.
ورأى رعاة الكنيسة"القلّيس"ما فعل فيها، فرفعوا الأمر إلى أبرهة، وقالوا له: إنّما صنع هذا بعض قريش، غضبا لبيتهم.
فأقسم أبرهة ليسيرنّ إلى بيت مكّة، وليخرّبنّه حجرا حجرا.
وذكر مقاتل بن سليمان، أنّ فتية من قريش دخلوا"القلّيس"فأحرقوها، فسقطت إلى الأرض، فعزم أبرهة على هدم الكعبة.
وحشد"أبرهة"جيشا كثيفا من الحبشان، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثّة، لم ير مثله، يقال له"محمود"وكان قد بعثه إليه النّجاشيّ ملك الحبشة لذلك.
وسمعت العرب بمسير أبرهة وجيشه، فاشتدّ عليهم الأمر واستفظعوه.
فخرج رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له:"ذو نفر"فدعا إلى حرب أبرهة وجيشه، دفاعا عن الكعبة، فأجابه جمع من قومه ومن غيرهم، فقاتلوا أبرهة وجيشه، لكنّهم هزموا، وأسر"ذو نفر"واستصحبه أبرهة معه.
وسار أبرهة بجيشه، فاعترضه نفيل بن حبيب الخثعميّ في قومه، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نفيل بن حبيب، واستصحبه أبرهة معه، ليكون دليله في بلاد الحجاز.