معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 496
القضيّة الأولى: دلّ عليها قول اللّه تعالى خطابا لرسوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ..: استفهام إنكاريّ تعجّبيّ من دعوة المشركين إلى عبادة آلهتهم من دون اللّه.
أي: قل يا محمّد للمشركين واضعا نفسك موضع الباحث الطّالب، الّذي يطلب لنفسه ربّا في الوجود: أغير اللّه أطلب لنفسي ربّا مالكا محياي ومماتي، حتّى أتّخذه إلها أخصّه بصلاتي وسائر عباداتي، وأدعوه ليحقّق لي ما أرغب فيه من جلب نفع، ودفع ضرّ، وهو- جلّ جلاله وعظم سلطانه- ربّ كلّ شيء سواه في الوجود كلّه، يهيمن عليه بصفات ربوبيّته، ويتصرّف فيه بها على وفق اختياره الحكيم.
إنّ أمركم يا أيّها المشركون، ودعوتكم إلى عبادة آلهتكم الّتي ليس لها شيء من الرّبوبيّة، لمستنكر جدّا، ولهو أمر عجيب لا يصدر عن ذي عقل وفهم صحيح سليم.
القضيّة الثانية: دلّ عليها قول اللّه تعالى متابعا خطابه لرسوله: .. وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ..: أي: ومن حكمته في ربوبيّته أنّه خلق النّاس بصفاتهم المتميّزة، وجعل لهم إرادات حرّة، ليضعهم في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، فمن عمل صالحا فقد كسب لنفسه ثوابا عظيما، يتفضّل اللّه به عليه يوم الدّين، في جنّات النّعيم. ومن عصى ربّه الّذي وضعه في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، فقد جنى بكسبه على نفسه استحقاق عقوبة من ربّه بالعدل على مقدار ذنبه. ولا تجني نفس بما تكسب من آثام، عقوبات من ربّ كلّ شيء إلّا عقوبات مسلّطات عليها فقط، لا يشاركها فيها أحد.
القضيّة الثّالثة: دلّ عليها قول اللّه تعالى متابعا خطابه التّعليميّ لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم: .. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى .. أي: ولا تحمل نفس من