فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 569
أي: إنّهم كانوا في حياة الابتلاء، وهي الحياة الدّنيا، إذا قيل لهم:
تعالوا إلى عبادة اللّه وحده، لا تشركون به شيئا، يستكبرون، فلا يستجيبون لدعوة الحقّ الرّبّانيّة، لئلّا يكونوا مع المؤمنين أتباع رسول ربّهم. وكانوا يقولون مستكبرين وشاتمين رسول ربّهم: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ.
الاستفهام هنا استفهام استكباريّ إنكاريّ، والتوكيد باللّام في لَتارِكُوا توكيد للنّفي الّذي دلّ عليه الاستفهام، أي: إنّنا نؤكّد أنّنا لا نترك عبادة آلهتنا الّتي ورثنا عبادتها عن آبائنا استجابة لدعوة شاعر مجنون يدّعي أنّه رسول ربّ العالمين، للنّاس أجمعين.
فجعلوا القرآن المجيد نوعا من أنواع الشّعر، وشتموا الرّسول بأنّه مجنون.
* فردّ اللّه عزّ وجلّ عليهم بقوله:
* بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) : أي: ليس محمّد كما قلتم كاذبين وشاتمين: هو شاعر مجنون، بل هو رسول من ربّ العالمين، جاءكم وجاء النّاس جميعا بالحقّ من لدنّا، وصدّق المرسلين السّابقين فيما جاؤوا به عنّا، لا فيما افتراه المنتمون إليهم محرّفين ومغيّرين ومتلاعبين بدين ربّهم.
وبعد أن ردّ اللّه عليهم خاطبهم بقوله:
* إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) :
أي: إنّكم أيّها المكذّبون المجرمون لذائقون في جهنّم العذاب الأليم حريقا في النّار، وهذا أشدّ أنواع العذاب المادّيّ.
وما تجزون إلّا جزاء ما كنتم تعملون، فيذوق كلّ معذّب منكم جزاء عمله، ولا يذوق من عذاب عمل غيره شيئا ما لم يكن له كسب آثم في عمل غيره، فينال كلّ منهما على مقدار كسبه.