معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 18
أبابيل: أي: جماعات متلاحقات متتابعات من صنف من أصناف الطير.
ترميهم: أي: تلقي عليهم، أو تقذفهم، فالرّمي يأتي بمعنى إلقاء شيء على شيء، ويأتي بمعنى قذف شيء على شيء.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)
أي: فجعلهم ربّك الّذي هو ربّهم وربّ كلّ شيء كعصف مأكول.
عرفنا أنّ العصف في اللّغة هو ما تأكله الأنعام والدّوابّ من نباتات الأرض.
إنّ تشبية جيش"أبرهة"بعد إنزال العذاب والإهلاك فيه، بالعصف المأكول، يقدّم لفكر المتدبّر صورا متعدّدة، على الرّغم من الإيجاز الشّديد في العبارة القرآنيّة.
فالعصف المأكول، منه ما تبتعله الآكلات من الأنعام والدّواب، ومنه ما تأكل منه شيئا وتدوس الباقي، ومنه ما تأكل أوراقه وتترك أعواده وقضبانه، وكلّ من المأكول والمتروك يقال له بعموم العبارة: عصف مأكول، على معنى: مأكول كلّه، ومأكول بعضه دون سائره.
فالعصف المأكول أقسام ثلاثة: قسم هضم وتحوّل روثا، وقسم داست الدّوابّ عليه، فتقذّر قمامات، وقسم أكلت أوراقه وبقيت أعواده وقضبانه حطبا ووقودا.
وكذلك صار أصحاب الفيل أقساما.
* فقسم منهم تفسّخ وأنتن، وتحوّل حتّى صار مثل روث الدّوابّ والأنعام.