معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 653
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) :
أي: وإنّا لنحن وحدنا من دون النّاس جميعا، المطالبون بأن نكون في حياتنا، وعباداتنا لربّنا منضبطين بالنّظام الصّفّيّ، في وحدة إيمانيّة إسلاميّة جماعيّة على الحقّ الّذي جاء به ديننا عن ربّنا.
والنّظام الصّفّيّ يقتضي قيادة وإمامة تتّبع، كالإمام في الصّلاة.
استفيد الحصر والقصر من تعريف طرفي الإسناد، مع التوكيد ب"إنّ- والجملة الاسميّة- واللّام المزحلقة"في كلّ من الآيتين (165) و (166) .
أمّا أصحاب الملل والنّحل والمذاهب الأخرى، فتحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى، تفرّق بينها المنافع والمصالح من متاعات الحياة الدّنيا، ويلقي فيها العداوة والبغضاء، التّحاسد على ما ينال الأفراد، أو تنال العصابات منهم، من مغانم ومكاسب مادّيّة أو معنويّة، عن طريق الملّة أو النّحلة أو المذهب.
بخلاف المؤمنين المسلمين الصّادقين فإنّ مطامعهم العظمى تتعلّق بما أعدّ اللّه لهم في جنّات النّعيم يوم الدّين، فيكسبهم ذلك الرّضا بما قسم اللّه لهم من متاعات الحياة الدّنيا، فتتضاءل عندهم مشاعر الحسد، وتقوى لديهم مشاعر الأمّة الواحدة، بنظام الانضباط الصّفّي، على ما سبق بيانه في المقدّمة العامّة.
ولمّا كان تسبيح اللّه بمعنى تنزيهه عن كلّ ما لا يليق بذاته، وصفاته، وعظيم سلطانه، لا يوجد إلّا في عقيدة المؤمنين المسلمين، لأنّهم هم الملتزمون وحدهم من دون النّاس، بما جاء من عند اللّه، على لسان رسول اللّه وبلاغاته عن ربّه، كان من الحقّ أن يعلنوا للنّاس جميعا، أنّهم وحدهم هم المسبّحون لربّهم، كما علّمهم اللّه بقوله:
* وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) .
أصل معنى تسبيح اللّه تنزيهه عمّا لا يليق بذاته وصفاته وأفعاله، ويحمل غالبا على نفي الصّفات الّتي يصفه بها الوثنيّون والمشركون،