معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 737
جلب منافع لهم، ودفع مضارّ عنهم، ويستمسكون بعقائد باطلة واضحة البطلان، مضادّة لما يجب أن يؤمنوا به، ممّا يتعلّق بذات اللّه وصفاته، وواجب شكره بإفراده في العبادة، واتّباع صراطه المستقيم.
وهؤلاء الكفرة من النّاس يجادلون في اللّه لتزيين عقائدهم الباطلة، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
إنّ وسائل اكتساب المعرفة بالنّسبة إلى النّاس ترجع إلى ثلاثة جذور:
الجذر الأوّل: ما يكتسب به علم جليّ، وله طريقان: طريق الإدراك الحسيّ، وطريق البرهان العقليّ، المستند إلى مقدّمات عقليّة ذوات دلالات قطعيّة، كالحسابيّات، والهندسيّات، والنّتائج العقليّة المبنيّة على البدهيّات، ومنها الواجبات العقليّة، والمستحيلات العقليّة، والجائزات العقليّة.
ويظهر لي أنّ هذا الّذي أطلق اللّه عليه أنّه"علم"في هذه الآية، وفي نظيرها في سورة (الحج/ 22 مصحف/ 103 نزول) في الآية (8) منها. هو للتّفريق بين وسائل المعرفة، وليس هذا في كلّ ما أطلق اللّه عليه في القرآن أنّه علم.
الجذر الثاني: ما يكتسب به علم تجريبيّ، ناتج عن تجارب متكرّرة، كالطبيّات، والغذائيّات، والزّراعيّات، والصّناعيّات، والإداريّات، والحربيّات، والتّربويّات، ونحوها.
ويظهر لي أنّ هذا هو الذي أطلق اللّه عليه أنّه"هدى"في الآيتين، للتّفريق بين وسائل اكتساب المعرفة، لأنّ أصحاب التّجارب يهتدون إلى الأفضل والأكثر صوابا من خلال تجرباتهم المتكرّرات والمتنوّعات، وبالتّنويع والتّكرير يهتدون إلى الأفضل، والأكثر صوابا واقترابا من الكمال المطابق للعلم اليقينيّ الجليّ.