معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 748
يمكن أن يشاركه أحد في ربوبيّته لما خلق، في تصاريفه وهيمنته بصفات ربوبيّته على شيء ممّا هو خلقه وملكه.
فعلى الدّاعي إلى اللّه أن يكشف لهم في حواره ومناظرته أنّه لا يمكن عقلا أن يترك اللّه لأحد ممّا هو مخلوق له، أن يتصرّف بمربوبيه تصرّفا يشاركه فيها بربوبيّته له، وبسقوط كلّ ربوبيّة لغير اللّه تسقط باللّزوم العقليّ كلّ إلهيّة لغيره، فلا إله إلّا اللّه الواحد الأحد.
* لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) :
في هذه الآية بيان قضيّتين تشتملان على مفاتيح فكريّة تعلّم المناظر المحاور الدّاعي إلى التّوحيد ونبذ الشّرك، ما يقنع به المشركين ببطلان عقيدتهم الشّركيّة، وبطلان كلّ لوازمها في سلوكهم في حيواتهم، سواء أكانت من العبادات المحضة للأوثان، أم كانت من أحكام المعاملات، وأنظمة العلاقات الإنسانيّة.
القضيّة الأولى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:
أي: بما أنّكم تؤمنون بأنّ اللّه عزّ وجلّ هو خالق السّماوات والأرض، فاعلموا أنّ كلّ الأشياء والأحياء فيهما، لا بدّ أن يكون من خلقه تبعا لهما. وإذا كانت كلّها خلقا من خلقه فهي ملكه بلا شكّ، فلا يشاركه أحد في ملكيّته لها، وادّعاء أنّ لغيره تأثيرا فيها بنفع أو ضرّ بعيدا عن إرادة مالكها، مناقض لموازين العقل السّليمة الّتي يشترك العقلاء فيها.
ولم يأت عن اللّه المالك، ما يثبت أنّه منح شيئا من ربوبيّته أو إلهيّته لأحد من خلقه في كونه.
فادّعاء أنّ لغير اللّه تأثيرا ما بنفع أو ضرّ يستحقّ به إلهيّة ما ادّعاء توهّميّ كاذب، أوحت به الشّياطين بوساوسها ودسائسها، لدفع النّاس إلى عذاب السّعير.