معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 39
ذكر ربّه والاستعاذة به جعل يوسوس له، حريصا على إسقاطه في آبار المعاصي والمخالفات وارتكاب الآثام.
إنّ هذ المتابعة من الشيطان الوسواس الخنّاس لا يقي ولا يحمي ولا يعيذ منها إلّا اللّه جلّ جلاله، بوصفه ربّا خالقا حاضرا شاهدا ممدّا في كلّ الآنات المتتابعات.
فالاستعاذة به مع ملاحظة هذا الوصف، هو الأمر الّذي تقتضيه عبوديّة العبد لربّه، نظرا إلى أنّ العبوديّة في مفهومها النّفسيّ. هي ردود أفعال النّفس السّويّة تجاه تصوّراتها لعناصر القاعدة الإيمانيّة.
إنّ عبوديّة الإنسان لربّه في حالة تعرّضه باستمرار لوساوس الشّيطان الوسواس الخنّاس، تقتضي منه أن يستعيذ بالرّبّ الّذي هو شاهد حاضر عليم، متابع لعمليّات الخلق المتجدّدة دواما منه، في كلّ خليّة وكلّ ذرّة من عبده، وفي كلّ آناته المتتابعات.
(2) ومن كان هو الرّبّ دوما، كان هو المالك لعبده دواما، وكان هو الملك الآمر المتصرّف فيه على ما يشاء دواما.
وفي الاستعاذة باللّه جلّ جلاله بوصفه ملك النّاس، معنى الاستنصار بصاحب الملك وصاحب الملك، لحماية ووقاية وإعاذة من هو داخل في ملكه لأنّه خالقه وربّه دواما، وداخل في ملكه وسلطانه، إذ هو الملك وحده في الوجود كلّه، فلا سلطان لأحد مع سلطانه، وهو ملك النّاس الذي له حقّ الأمر والنّهي والتكليف والمحاسبة والجزاء، ومن شأن رعيّة الملك أن تستنصر بملكها القويّ العزيز الغالب لأعدائها، ونصره لها يكون بحمايتها ووقايتها وإعاذتها من شرّ كلّ ذي شرّ.
واللّه جلّ جلاله ينصر عبده، إذا كان صحيح الإيمان به، وصادقا في عبوديته له، ومعتصما به، ومذعنا لملكه وسلطانه، وحريصا على طاعته.