فهرس الكتاب

الصفحة 7359 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 782

لقد سبق في تقدير اللّه وقضائه، تعيين المكان الّذي يكون فيه موت النّفس الّتي قضى عليها الموت، مع تعيين الزّمان الّذي يكون موتها فيه ولئن أعلم اللّه نفسا بأجلها الّذي ستموت فيه، فإنّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أخفى عنها المكان الّذي ستموت فيه.

وللّه حكم جليلة في كلّ تصريف من تصاريفه لخلقه، وفي كلّ تقدير من تقاديره، وفي كلّ قضاء من أقضيته.

فاضل من الفضلاء يعيش بنحو عشر قلبه المريض، الّذي أجريت له فيه عدّة عمليّات، وعاش سنين عديدة زيادة على ما قدّر الأطبّاء له أن يعيش.

عزم على أن يسافر إلى الرّباط من المملكة المغربية، وكان مقيما في مكّة هو وأهله، وله في مدينة الرّباط سكن وبعض مصالح.

ورجاه إخوانه ومحبّوه وكثير منهم أطبّاء بأن لا يسافر، لأنّ حالته الصّحّيّة لا يناسبها هذا السّفر الطّويل، وقد يكون هذا السّفر خطرا عليه، وألحّوا عليه إلحاحا شديدا بأن لا يسافر.

لكنّه لم يستجب لرجاءاتهم وإلحاحاتهم، وسافر إلى الرّباط، وبعد مدّة غير طويلة جاءته منيّته فيها، ودفن هناك، رحمه اللّه رحمة واسعة.

سبق في تقدير اللّه وقضائه أنّ الأرض الّتي سيكون موته فيها، هي الأرض الّتي مات عليها بالرّباط، فحرّك اللّه قلبه بأن يسافر إليها، ولم تؤثّر فيه نصائح إخوانه ومحبّيه، فقد كان قضاء اللّه غالبا، فجعل حرصه على السّفر إلى الأرض الّتي سيكون موته بها نابعا من عمق قلبه.

وكان قد وقع في ظنّي أنّ حرصه على هذا السّفر مدفوع بقضاء ربّانيّ، لأمر سبق به تقدير اللّه وقضاؤه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت