معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 781
ولذا خاطب اللّه عزّ وجلّ المؤمن بقوله له في سورة (الكهف/ 18 مصحف/ 69 نزول) :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (24) .
لفظ"فاعل"بمنزلة الفعل المضارع، يدلّ هنا على الاستقبال.
والمراد الجزم بأنّه سيفعله قطعا، لا مجرّد العزم على فعله، فالجزم يعارضه احتمال وجود مشيئة للّه عزّ وجلّ مضادّة لفعله، ولذلك يعد ويقول مع وعده: إن شاء اللّه، أي: وإن لم يشأ اللّه فإنّي لا أفعله.
وما ينطبق على الغد ينطبق على كلّ أزمان المستقبل الذي يبدأ عقب لحظة التّكلّم، أمّا ما بعد الغد فهو مثل الغد من باب أولى. وأمّا ما دون الغد من بعد لحظة التّكلّم، فالأمر فيه احتمالان.
الاحتمال الأوّل: أن يكون داخلا تحت عبارة غَدًا على اعتبار أنّ المراد بالغد كلّ أزمان المستقبل الّذي لا تعلم نفس ماذا تكسب فيه، لاحتمال وجود مانع أو أكثر سبقت بإرادته مشيئة اللّه عزّ وجلّ.
الاحتمال الثّاني: أن يكون فسحة منحها اللّه للمؤمن لرفع الحرج عنه، إذا لم يقل: إن شاء اللّه، في أمر عزم أن يفعله اليوم، لصعوبة ملاحظة هذا دواما، على أنّ الأفضل له أن يقول أيضا: إن شاء اللّه في كلّ أمر أن يفعله، ولو في ساعة من ساعات يومه.
القضيّة الخامسة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: .. وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..: أي: وما تدري نفس مخلوق ما أيّ مخلوق حيّ بأيّ أرض تموت.
إنّ هذا العلم ممّا حجبه اللّه عزّ وجلّ عن النّفوس، فلا تعلم نفس حيّة ما الأرض الّتي سيكون موتها فيها.