معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 43
(7) الملحق الأوّل نظرة عامّة حول ما جاء في سورتي الفلق والناس
بعد التدبّر التفصيليّ لسورتي المعوّذتين، يحسن بنا أن ننظر نظرة عامّة إلى ما تدبّرناه من آياتهما.
لقد أمرنا اللّه عزّ وجلّ بأن نستعيذ به من شرّ ما خلق وبرأ وذرأ في كونه، لأنّ الاستعاذة به من شرّ ما خلق مظهر من مظاهر الإيمان الصادق.
وسلوك نابع من القاعدة الإيمانيّة.
فالمؤمن باللّه الّذي له ملكوت السّماوات والأرض، وهو على كلّ شيء قدير، إذا حذر أو خاف من شرّ شيء أو من ضرّه أو أذاه، لم يستعذ في دعائه الموجّه للغيب بإنس، ولا جنّ، ولا ملك، ولا حيوان، ولا جماد، ولا روح نبيّ أو رسول أو وليّ أو صالح من صلحاء المسلمين.
إنّما يستعيذ باللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له، فهو ربّ الفلق، وهو ربّ النّاس، وملك النّاس، وإله النّاس، وهو ربّ كلّ شيء من دونه، وملك كلّ شيء ومليكه، والمستحقّ وحده لأن يعبد، والاستعاذة بالغيبيّات لون من ألوان العبادة.
وفي الاستعاذة باللّه عزّ وجلّ تمكين للقاعدة الإيمانيّة، وتثبيت عمليّ للاعتقاد بأنّه لا ربّ في الوجود كلّه إلّا اللّه، ولا إله في الوجود كلّه يستحقّ الإلهيّة إلّا اللّه. ولا منجي من كلّ المكاره سواه، مع ما في الاستعاذة باللّه عزّ وجلّ من عبادة هي من أعمق العبادات وأخلصها، فالاستعاذة من الدّعاء، والدّعاء عبادة، أو هي مخّ العبادة كما جاء في بعض الأحاديث النبويّة، والاستعاذة تتضمّن ثلاثة أركان، هي:
(1) مستعيذ. (2) ومستعاذ به. (3) ومستعاذ منه.