معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 64
* ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) :
أي: ذلك الجزاء الّذي بيّنّاه في الآية السّابقة جزينا قوم سبأ بسبب كفرهم كفرا هو من الكفر الموغل في الخسّة. وقد دلّ على هذا المستوى المنحطّ قول اللّه تعالى في الآية: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) الاستفهام يراد به في هذه الجملة النّفي، أي: ونحن من سنّتنا في عبادنا أنّنا لا نجازي في هذه الحياة الدّنيا مثل هذا الجزاء الّذي أنزلناه بقوم سبأ، إلّا من كان كفورا، فدلّ هذا على أنّ هؤلاء القوم قد وصل معظمهم إلى دركة من هو كفور.
الكفور: صيغة مبالغة لاسم الفاعل"كافر"أي: من كان موغلا في ظلمات الكفر، معاندا مجرما جاحدا للحقّ وهو عالم به.
قول اللّه تعالى متابعا بيان البطر الّذي وصل إليه قوم سبأ من دون الكفر:
* وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) :
قيل: كان للسّبئيّين رحلات تجاريّة إلى قرى بلاد الشّام، يحملون فيها من مأرب من منتجاتهم الزراعيّة وغيرها في قوافل لبيعها في قرى بلاد الشّام، ويجلبون من بلاد الشّام ما يحتاج قومهم إليه.
فقرى بلاد الشّام هي القرى الّتي بارك اللّه فيها، ولمّا كانت رحلاتهم كثيرة، في قوافل متعدّدة، كان من مصلحة سكّان البلاد الّتي تقع قريبة من طريقهم، أن يقيموا مراكز ظاهرة لقوافلهم ولو كانت على شكل قرى صغيرة، لحطّ رحالهم عندها بغية الاستراحة والتزوّد، ويستفيد أهل