فهرس الكتاب

الصفحة 7461 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 65

هذه القرى الظّاهرة من قوافل السّبئيّين أموالا، ويشترون منهم بعض ما يحملون من بلادهم في تجاراتهم، فمن شأن الطّرق الّتي يسلكها المسافرون بكثرة، أن ينشيء السّكّان القريبون عند كلّ مكان تنزل عنده القوافل مباني لاستراحة أهلها، وتزويدهم بالماء والغذاء الّذي يطلبونه.

وقد أبطرت هذه النّعمة السّبئيّين، ولعلّ السّبب رغبتهم في أن تكون منازلهم عند حلّهم خاصّة بهم، لا يشاركهم فيها أحد من أصحاب البلاد الّتي تقع في طريقهم، إذ لهم في حلّهم أعمال خاصّة، لا يريدون أن يطّلع عليهم أحد وهم يمارسونها، فقالوا ربّنا: باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وبعد أن باعد اللّه بين أسفارهم ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي والجرائم، وربّما كانوا ينحرفون إذا اقتربوا من بعض القرى الظّاهرة عن الطّريق، ويحلّون في أرض بعيدة عنها، ثمّ يعودون إلى طريقهم.

فعاقبهم اللّه فجعلهم أحاديث تروى، بعد أن كانوا أمّة ذات شأن بين الأمم، وشتّتهم في بلدان كثيرة، ومزّقهم تمزيقا شديدا.

* وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً .. (18) :

إنّ اللّه عزّ وجلّ يلهم البشر في ظروفهم المختلفة ما يحقّقون به منافعهم، فما يحصل في الواقع من أعمالهم هو من جعله- جلّ جلاله وعظم سلطانه- لأنّه الملهم، وخالق قدرات النّاس، وخالق ما يصنعون، فهو الّذي جعل بين السّبئيّين المسافرين من مأرب، وبين القرى الّتي بارك فيها، وهي قرى بلاد الشّام، قرى ظاهرة عند المنازل الّتي تحلّ فيها قوافلهم في نهاية كلّ مرحلة على ما سبق بيانه فيما أرى.

* .. وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ .. أي: وجعلنا سيرهم في الأرض الفاصلة بين القرى الظّاهرة مقدّرا بحسب معتاد القوافل المسافرة في حلّها وترحالها، الملائمين لحاجاتها من الاستراحة والتّزوّد والمسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت