معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 71
الحفيظ: من أسماء اللّه الحسنى، وهو على وزن"فعيل"صيغة مبالغة لاسم الفاعل"حافظ"أي: عظيم الحفظ.
الحفظ: صون الشّيء من الزّوال والاختلال في أيّ أمر من أموره.
ويدخل في معنى الحفظ، العلم بما هو داخل تحت الصّيانة علما لا تتمّ الصّيانة إلّا به، وتدخل فيه أيضا المراقبة الدّائمة له.
فاللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه- حفيظ بسلطانه وهيمنته على كلّ شيء، كلّ صغير وكبير في الكائنات كلّها المخلوقة له، من أن يخرج شيء منها مهما دقّ، عمّا قدّر له وقضى في خطّة وجوده، متابعا الزّمن مع أصغر وحداته. ومحيط بكلّ شيء ظاهر وباطن مادّيّ ومعنويّ علما.
ومراقب دواما لكلّ ما أحاط به علمه.
ومن ذلك أنّه مراقب دواما لعباده المكلّفين الموضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان، فلا توجد حركة ولا سكون، ولا خاطرة، ولا نيّة، ولا إحساس، ولا شعور بلذّة أو ألم، أو سرور أو حزن، إلّا مشمول بمراقبته مع توالي أصغر الوحدات الزّمنيّة- جلّ جلاله وعظم سلطانه- مع حفظه من أن يخرج عن خطّة وجوده المقدّرة المقضيّة له، بتأثير من ذات الشّيء، أو بتأثير كائن آخر فيه إلّا بإذن اللّه أو بأمره.
هذا هو اسم اللّه"الحفيظ"بحسب مقادير فهمنا لأسماء اللّه الحسنى وصفاته العلا.
وجاء التّنبيه على هذا الاسم ملائما لكونه تعالى قد مكّن إبليس وجنوده من إغواء النّاس ليعلم من يؤمن بالآخرة بإرادته الحرّة، ويميزه من الشّاكّ أو الكافر بها.
وبهذا تمّ تدبّر الدّرس الرابع من دروس سورة (سبأ) .
والحمد للّه على معونته ومدده وتوفيقه وفتحه.