معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 52
المادّة الأولى: أن يأخذ العفو عمّن أساء إليه من المدعوّين، ومع أنّ العفو عن الإساءة صعب على معظم النفوس، فقد جاء التعبير عنه بعبارة تشعر بأنه شيء ثمين يأخذه الدّاعي إلى اللّه، وفي هذا كناية تدلّ على أنّ ثوابه عندا اللّه ثواب عظيم، وأنّ على الداعي إلى اللّه أن يكون حريصا على أن ينال هذا الثواب الجزيل ويظفر به، كما يأخذ النّاس ما يحبّون من عطاءات الملوك والعظماء.
المادّة الثانية: أن يأمر بالعرف، أي: أن يكون من اهتماماته الكبرى في المجتمع الذي يدعو إلى اللّه فيه، أن يدعو الموسرين إلى بذل العرف للفقراء والبائسين وذوي الحاجات، فالعرف في مفهوم الناس إبّان نزول هذا النصّ يطلق على الجود والعطاء والبذل لذوي الحاجات ممّا يسدّون به حاجاتهم، وبهذا يستعطف الداعي إلى دعوته جمهورا عظيما من المجتمع.
المادّة الثالثة: أن يعرض عن الجاهلين، ولا يواجه جهالاتهم بأمثالها.
والمراد بالجاهلين الذين يقابلون دعوة الداعي بالسباب والشتائم، أو بأنواع من الأذى، أو بالاستهزاء والسخرية.
فمن أدب منهاج الدعوة إلى اللّه الإعراض عن الجاهلين، وعدم الاشتغال بدفع أذاهم، أو بردّ شتائمهم واستهزاءاتهم وسخراياتهم بأمثالها.
المادّة الرابعة: أن يلتجئ إلى اللّه مستعيذا به، ليدفع عن نفسه نزغات الشيطان، الّتي تحرّضه على أن يقابل السيّئة بمثلها، وينتقم لنفسه من المدعوّ، فإنّ مثل هذا العمل يفسد على الداعي دعوته، ويحوّل رسالته من وظيفة ربّانية يعبد بها ربّه، إلى قضيّة شخصيّة.
وبما أنّ الداعي إلى اللّه من فئة المتقين في الحدّ الأدنى، إذا لم يكن من الأبرار أو المحسنين في الحدّ الأعلى، فإنّ المتقين إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا واجباتهم تجاه ربّهم، فأبصروا، فاستعاذوا باللّه من نزغات الشيطان.