معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 83
وفيه عرض مقولة الكافرين الّتي يكرّرونها، ويتصوّرون أنّها ذريعة مقبولة لجحودهم الحقّ الرّبّانيّ الّذي أنزله اللّه على رسوله، وهي سؤالهم:
متى يكون قيام السّاعة، ومتى ينزل بهم ما أنذرهم به الرّسول من عذاب معجّل إذا أصرّوا على عنادهم وكفرهم، مع بيان الرّدّ الّذي ينبغي أن يردّ به على مماحكتهم الجدليّة الّتي يكرّرونها.
التّدبّر التحليلي:
قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله يبيّن له فيه أنّ رسالته رسالة عامّة شاملة للنّاس أجمعين من كلّ قوم وفي كلّ أرض:
* وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) :
كافة: لفظ من ألفاظ العموم، يقال لغة:"جاء النّاس كافة"أي: جميعا.
والمعنى: وما أرسلناك يا محمّد في حال من الأحوال إلّا في حال كونك مرسلا للنّاس أجمعين، وهذا من قبيل القصر الإضافي، أي: فمن توهّم أنّك رسول لأهل مكّة، أو رسول للعرب خاصّة، فقد جانب الصّواب والحقّ، إذ أنت رسول للنّاس أجمعين، ورسالتك عامّة للنّاس أجمعين.
ونفهم باللّزوم العقليّ من هذا، أنّه يجب على الدّعاة من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، أن يبلّغوا هذا الدّين للنّاس كافّة، فإذا قصّروا في هذا التّبليغ كانوا جميعا آثمين، وهذا التّبليغ من فروض الكفاية، إذا قام به البعض سقط الوجوب عن الآخرين، وإذا احتاج هذا التّبليغ مساهمة من سائر المسلمين بأموال وأعمال وجب على كلّ منهم أن يساهم على مقدار حاله، وعلى ذوي السّلطة من المؤمنين المسلمين تدبير الأمور اللّازمة لهذا التّبليغ، ومنها إعداد الدّعاة إعدادا ملائما لوظيفتهم العظمى.