معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 104
والمتصرّف بكلّ أمورنا، لا ربّ غيرك، ولا إله إلّا أنت، فنحن لم نتّخذ من المشركين أولياء يعبدوننا من دونك، ولم نرض بذلك، فإن زعموا أنّهم كانوا يعبدوننا ونحن راضون بأن نكون أولياء لهم، فنحن نكذّبهم، ونعلن أنّك وحدك وليّنا من كلّ من هو غيرهم، كنّا وما زلنا على هذا.
إنّهم في الحقيقة لا يعبدوننا، ولا يطيعون أوامرنا، بل كانوا يعبدون الجنّ، الّذين كانوا في الدّنيا شياطينهم، الّذين يغرونهم ويغوونهم، وكان أكثرهم بشياطينهم من الجنّ مؤمنين، يصدّقونهم فيما يوحون به إليهم من ضلالات، ويتّبعونهم غاوين.
وختم اللّه عزّ وجلّ هذا المشهد بذكر ما يقوله للمشركين وأوليائهم من شياطين الجنّ، وبالإشارة إلى ما قضى به عليهم من عذاب أبديّ في النّار، وما يقوله جلّ جلاله لهم ولكلّ الظّالمين المجرمين الخالدين في العذاب:
* فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42) :
أي: يقول اللّه عزّ وجلّ للمشركين ولأوليائهم من شياطين الجنّ:
لقد استمتع بعضكم ببعض حين كنتم ممكّنين من ممارسة ما تشاؤون في رحلة امتحانكم في الحياد الدّنيا، حتّى قضيتم فيها آجالكم المقدّرة المقضيّة لكم، فاليوم أنتم في حياة الجزاء، لستم ممكّنين من أن تفعلوا ما تشاؤون، فلا يملك بعضكم لبعض جلب نفع ولا دفع ضرّ، وسيلقى كلّ فرد منكم جزاءه بحسب جرمه، ويكون في الدّركة المناسبة لما سبق أن قدّم في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا من ظلم وبغي وعدوان، وفجور وإثم وطغيان.
ويوجّه اللّه عزّ وجلّ لجميع الظّالمين من دركة الشّرك، فالدّركات اللّاتي هي أخسّ منها قائلا لهم: